مجمع البحوث الاسلامية

430

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وللقوم أحاديث ضعيفة ، وآثار عن السّلف أكثرها معنعن ، وقد بيّنّا ذلك في « مسائل الخلاف » . المسألة الثّالثة عشرة : لا خلاف بين علماء الأمصار أنّ « الإحصار » عامّ في الحجّ والعمرة . وقال ابن سيرين : لا إحصار في العمرة ، لأنّها غير مؤقّتة . قلنا : وإن كانت غير مؤقّتة ، لكن في الصّبر إلى زوال العدوّ ضرر ، وفي ذلك نزلت الآية وبه جاءت السّنّة ، فلا معدل عنها . المسألة الرّابعة عشرة : إذا منعه العدوّ يحلّ في موضعه ولا قضاء عليه ، وبه قال الشّافعيّ . وقال أبو حنيفة : عليه القضاء ، لأنّ اللّه سبحانه أوجب عليه ما استيسر من الهدي خاصّة ، ولم يذكر قضاء . ومتعلّقهم أمران : أحدهما : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قضى عمرة الحديبيّة في العام الآخر . قلنا : إنّما قضاها ، لأنّ الصّلح وقع على ذلك إرغاما للمشركين وإتماما للرّؤيا وتحقيقا للموعد ، وهي في الحقيقة ابتداء عمرة أخرى ، وسمّيت عمرة القضيّة ، من المقاضاة لا من القضاء . الثّاني : المعنى قالوا : تحلّل من نسكه قبل تمامه ، فلم يكن بدّ من قضائه كالفائت والمفسد . قلنا : الفاسد هو فيه ملوم ، والفائت هو فيه منسوب إلى التّقصير ، وهذا مغلوب ، ولا فائدة في اتّباع المعنى ، مع ما قلناه من ظاهر الآية . ( 1 : 119 ) ابن الجوزيّ : [ نقل الأقوال ثمّ قال : ] والمعنى : فإن أحصرتم دون تمام الحجّ والعمرة فحللتم ، فعليكم ما استيسر من الهدي . ( 1 : 204 ) الفخر الرّازيّ : [ نقل كلام ثعلب المتقدّم في « النّصوص اللّغويّة » وأضاف : ] إذا عرفت هذا فنقول : اتّفقوا على أنّ لفظ « الحصر » مخصوص بمنع العدوّ إذا منعه عن مراده وضيّق عليه . أمّا لفظ « الإحصار » فقد اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : الأوّل : وهو اختيار أبي عبيدة وابن السّكّيت ، والزّجّاج ، وابن قتيبة ، وأكثر أهل اللّغة ، أنّه مختصّ بالمرض . قال ابن السّكّيت : يقال : أحصره المرض ، إذا منعه من السّفر . وقال ثعلب في « فصيح الكلام » : أحصر بالمرض ، وحصر بالعدوّ . والقول الثّاني : أنّ لفظ « الإحصار » يفيد الحبس والمنع ، سواء كان بسبب العدوّ أو بسبب المرض ، وهو قول الفرّاء . والقول الثّالث : إنّه مختصّ بالمنع الحاصل من جهة العدوّ ، وهو قول الشّافعيّ رضى اللّه عنه ، وهو المرويّ عن ابن عبّاس وابن عمر ، فإنّهما قالا : لا حصر إلّا حصر العدوّ . وأكثر أهل اللّغة يردّون هذا القول على الشّافعيّ رضى اللّه عنه . وفائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهيّة ، وهي أنّهم اتّفقوا على أنّ حكم الإحصار عند حبس العدوّ ثابت . وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع ؟ قال أبو حنيفة رضى اللّه عنه : يثبت ، وقال الشّافعيّ : لا يثبت وحجّة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللّغة ، لأنّ أهل اللّغة رجلان : أحدهما : الّذين قالوا : الإحصار مختصّ بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط . وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصّا صريحا في أنّ إحصار المرض يفيد هذا